ابن العربي

153

أحكام القرآن

وشربها آخرون للمنفعة ، يعنى لأجل المنفعة المذكورة فيها لا لمنفعة البدن كما قدمنا ، حتى نزلت « 1 » : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى . فإن قيل : كيف شربت بعد قول اللّه تعالى : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ، وبعد قوله : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ؟ وكيف تعاطى مسلم ما فيه مأثم ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما - أنّ اللّه تعالى إنما أراد بالإثم في هذه الآية ما يؤول إليه شربها لا نفس شربها . فمن فعل حينئذ ذلك الذي يؤول إليه فقد أثم بما فعل من ذلك لا بنفس الشرب ، وإن لم يفعل ذلك الذي يؤول إليه لما كان عليه حينئذ إثم ؛ فكان هذا مقصد القول على وجه الورع لا على وجه التحريم ؛ فقبله قوم فتورّعوا ، وأقدم آخرون على الشرب حتى حقّق اللّه تعالى التحريم ، فامتنع الكلّ ، ولو أراد ربّك التحريم لقال لعمر أولا ما قال له آخرا حتى قال : انتهينا . الثاني - أن اللّه سبحانه لما ذكر ما فيها من الإثم الموجب للامتناع وقرنه بما فيها من المنفعة المقتضية للإقدام فهم قوم من ذلك التخيير بين الحالين ، ولو تدبّروا قوله تعالى : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما لغلب الورع ؛ فأقدم وتورّع من تورّع ، حتى نزلت آية التحريم الباحثة الكاشفة لتحقيقه ، ففهمها الناس ، وقال عمر رضى اللّه عنه : انتهينا ، وأمر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم مناديه فنادى بتحريم الخمر . الآية الثامنة والخمسون - على اختلاف في التعداد - قوله تعالى « 2 » : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ . اختلف العلماء فيها على ستة أقوال : الأول - أنه ما فضل عن الأهل ؛ قاله ابن عباس . الثاني - الوسط من غير تبذير ولا إسراف ؛ قاله الحسن . الثالث - ما سمحت به النفس ؛ قاله ابن عباس أيضا . الرابع - الصدقة عن ظهر غنى « 3 » ؛ قاله مجاهد .

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية 43 ( 2 ) الآية التاسعة عشرة بعد المائتين . ( 3 ) عن ظهر غنى : ما فضل عن قوت العيال وكفايتهم ( النهاية ) .